الشيخ محمد رشيد رضا
290
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
برهانا ناصحا على كونه من عند اللّه أوحاه إلى عبده ورسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ هذا ما جرى به القلم جريا في تفسير هذه الآية بدون استعانة ولا اقتباس من كلام أحد من المفسرين لأنه هو المتبادر عندي ، وسلكت فيه طريق الاختصار الذي يدل على التفصيل ، وتركت مسألة الفصاحة والبلاغة واتفاق أسلوبه فيهما إلى مراجعة كلامهم فيها ، ثم راجعت بعض التفاسير فإذا انا بابن جرير يختصر القول في الآية فيقول : أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب اللّه فيعلموا حجة اللّه عليهم في طاعتك واتباع أمرك وان الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم لاتساق معانيه وائتلاف أحكامه وتأييد بعضه بعضا بالتصديق ، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق ، فان ذلك لو كان من عند غير اللّه لاختلفت احكامه وتناقضت معانيه وأبان بعضه عن فساد بعض . اه وبين الرازي أن هذه الآية احتجاج بالقرآن على المنافقين تثبت لهم ما كانوا يمترون فيه من نبوة النبي ( ص ) وذكر ان العلماء قالوا إن دلالة القرآن على صدق محمد ( ص ) من ثلاثة أوجه : فصاحته واشتماله على اخبار الغيوب وسلامته عن الاختلاف ( قال ) وهذا هو المذكور في هذه الآية . وذكر فيه اي الأخير ثلاثة أوجه ( الأول ) قول أبي بكر الأصم وحاصله ان المنافقين كانوا يتواطئون سرا على أنواع من المكر والكيد فيبينها اللّه في القرآن ولما كان كل ما حكاه اللّه عنهم صدقا على خفائه علم أنه لو كان من غيره لم يطرد فيه هذا الصدق ( الثاني ) قول أكثر المتكلمين ان المراد منه ان القرآن كتاب كبير مشتمل على كثير من العلوم فلو كان من عند غير اللّه لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة لان الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك ( الثالث ) قول أبي مسلم ان المراد الاختلاف في مرتبة الفصاحة حتى لا يكون في جملة ما يعد في الكلام الركيك بل بقية الفصاحة فيه من أوله إلى آخره على نهج واحد . ومن المعلوم ان الانسان وان كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتابا طويلا مشتملا على المعاني الكثيرة فلا بد وان يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قويا متينا وبعضه سخيفا نازلا ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه المعجز من عند اللّه تعالى